الشيخ محمد آصف المحسني
108
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
خاتمة اعلم أن معرفته تعالى على درجات ، الدرجة الأولى : ما يحصل من الدلائل الانية . الدرجة الثانية ما يثبت بالبراهين الشبيهة باللم ، الدرجة الثالثة : ما يستقرّ بالمشاهدة القلبية ولها عرض عريض رزقنا اللّه إياها ، ففي رواية أبي الحسن الموصلي عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام قال : « جاء حبر إلى أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه فقال : يا أمير المؤمنين هل رأيت ربك حين عبدته ؟ قال : فقال : ويلك ما كنت أعبد ربّا لم أره . قال : وكيف رأيته ؟ قال : ويلك لا تدركه العيون في مشاهدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان « 1 » . وفي دعاء يوم عرفة المنسوب إلى أبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام : « الهي تردّدي في الآثار يوجب بعد المزار فاجمعني عليك بخدمة توصلني إليك . كيف يستدلّ عليك بما هو في وجوده مفتقر إليك ؟ أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ؟ متى غبت حتى تحتاج إلى دليل يدلّ عليك ؟ ومتى بعدت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك ؟ عميت عين لا تراك عليها رقيبا ، وخسرت صفقة عبد لم تجعل له من حبّك نصيبا . . . منك أطلب الوصول إليك ، وبك استدلّ عليك ، فاهدني بنورك إليك . . . أنت الذي أشرقت الأنوار في قلوب أوليائك حتى عرفوك ووحّدوك ، وأنت الذي أزلت الاغيار عن قلوب أحبّائك حتى لم يحبّوا سواك . . . الخ » هذا ، وكل ميسر لما خلق لأجله . واعلم أن معرفة معظم المؤمنين الباحثين - فضلا عن العوام - باللّه تعالى إنّما هو بمفاهيم كليته يضم بعضها مع بعض تنطبق على الموجود الواحد المخصوص ، وهو اللّه تعالى كمفهوم الواجب الوجود غير المركب والمتعدد ، وكمفهوم الصانع والخالق الحكيم المدبّر وكمفهوم القديم الأزلي الأبدي الباقي ونحوها ، وهي معرفة علمية يكتبها أهل المعقول من المباحث الفلسفية والكلامية . وأما المعرفته القلبية الإشراقية الإلهامية - وما شئت فسمها به - فهي تحصل من العبودية والاخلاص والخضوع مع صفاء الروح . والمؤلّف الفقير الناقص حيث لم يذق حلاوة الإيمان في باطنه ، يعلم أن إيمانه باللّه تعالى ، معرفته علمية لا معرفته قلبية . ف اعبد ربك حتى يأتيك اليقين « 2 » .
--> ( 1 ) أصول الكافي 1 / 98 . ( 2 ) الحجر 15 / 99 .